أحمد بن محمد مسكويه الرازي
88
الحكمة الخالدة ( جاويدان خرد )
كل يقدح بزنده ، وينتصر بما حضره من ذلك « 1 » ، فاستخلص العقل وزيرا ، والعلم نصيحا ، فخوّفاه عواقب الاثم ، وقربا له وقت الفناء ، وأرياه غب المعاد ، وأحضراه مكارع « 2 » الأهوال ، وكشفا له حجب الغيوب ، وقللا عدته من الزاد ، وحذراه إحباط المقبول ، ثم عرفاه ما في التعجل إلى الشهوة من استنفاد المدة ، وما في قضاء الأوطار من الازراء بالعدة ، ثم ذكراه ظل عاقبة « 3 » كان فيه ، ومعقل كفاية كان يؤويه ، بلا احتيال كان منه في إدامته ، ولا تعرض لمكروه في كفايته ، ورهباه من خروجه [ 42 ا ] عن كنف الصنع إلى التغرير ، ومن الغنى بربه إلى الفاقة إلى خلقه مع مقارعة الأحداث في حيلته ، ومراهنة المنايا دون همته ، وتعرض الفوت في استشهاده واستنفاد أكله ، فاستوعر مسلك الخذلان ، واستوحش من مفارقة الثقة ، وطامن « 4 » من جأشه ، وسكن من نفرته ، وأطفأ نار شهوته ، ووضع من حميته ، ورجع على نفسه بمخاصمته ، وصاف « 5 » بالعلم جنود شرّته « 6 » ، واستظهر على الصبر بتقارب مدته . فتفرقت مكائد عدوه ، وضلت خدع مخادعه وانفضت « 7 » جموح غوائله ، فخضع للمذلة هيبة لمقاحم « 8 » العزة ، وادخر الصبر شفقة من الفتنة ، فصار علما لمن بعده ، وسلفا لمن اقتدى به ، وعصمة لمن سلك مسلكه واعتد عدته ، وحاسب على هذه العقائد نفسه . نفعنا « 9 » اللّه وإياكم بأخبار الأبرار ، ووفقنا وإياكم للاقتداء بالأولياء « 10 » الأخيار .
--> ( 1 ) من ذلك : الزيادة في ص . ( 2 ) في صلب ص : مصارع ، وبالهامش : مكارع . - والمكارع : الموارد . ( 3 ) ف : عافية . ( 4 ) مخفف طأمن - وطأمن الشئ : سنه ؛ والجأش : رواع القلب . ( 5 ) صاف ( بتشديد الفاء ) القوم القوم في القتال مصافة : وقفوا مصطفين . ( 6 ) الشرة : الحرص والنشاط ، وفي الحديث : « ان لهذا القرآن شرة ، وان للناس عنه فترة » . ( 7 ) ف : انفضت . ( 8 ) ص : المقاحم ، والمقاحم : مواضع الدخول والوثوب . ( 9 ) ص : اللّه إياكم . ( 10 ) بالأولهاء : ناقص في ط / ف : للاقتداء بالأخيار ، بمنه وسعة لطفه .